الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
28
محجة العلماء في الأدلة العقلية
في ما هو العمدة من الآثار والمتمّم وهو العنوان المنتزع الثانوي لا يعقل ان يكون حكمه باختيار المولى والّا لم يكن متمّما بمعنى ان التحريم مثلا انما يتم حيث ارتفعت الاعذار عن المكلف ولا معنى لتماميّة الحكم وتنجّزه حينئذ الّا دخوله في عنوان له احكام ذاتيّة ينتهى إليها امر الاحكام الجعليّة فلو لم يستقلّ العقل بوجوب الانقياد لم يترتّب على حرمة الخمر اثر ولو كان وجوب الانقياد مجعولا لتوقف على ثبوت وجوب الانقياد بهذا الحكم أيضا وهكذا إلى ما لا يتناهى وظهر ممّا حقّقناه انه لا حاجة في اثبات حرمة التّجرى إلى التشبّث بالاجماع وبناء العقلاء وقد يستدل للمختار بدليل بيّن الوهن واضح السّقوط وقد أطال المستدلّ في تقريب الاستدلال بما لا طائل تحته وملخصه ان المتجرى المصيب انما يفارق المخطى في ما لا يرجع إلى اختياره وهو الإصابة ويستحيل ان يناط استحقاق العقاب بما لا يرجع إلى الاختيار فيشتركان في استحقاق العقاب ولا يدور مدار العصيان ولا يخفى انه سفسطة بيّنة وهدم لأساس الشرائع والأديان وما يستقل به العقل من الاحكام الضّروريّة فان اختلاف الاحكام شرعيّة كانت أو عقليّة انما هو بحسب اختلاف العناوين المختلفة باختلاف المتعلقات فلو « 1 » كان كون الفعل شرب خمر أو شرب ماء مثلا خارجا عن الاختيار واختصّ الشّرب من حيث إنه شرب بكونه اختياريا استحال اختلافهما في الحكم بالحرمة والإباحة وكذا وطى الزّوجة والاجنبيّة والايمان بالرّحمن والشيطان وهكذا إلى ما لا يتناهى ولا ينافي كون شرب الخمر من حيث الخصوصيّة اختياريا عدم كون خمريّة المائع ومطابقة الاعتقاد بالخمريّة للواقع خارجا عن الاختيار فان الاعتقاد المطابق انما هو منجّز للحكم ولا مدخل له في كون الفعل اختياريا والخمريّة محقّقة للموضوع ولا مدخل لها في اختيارية الفعل فان المناط فيها انما هو دوران الفعل مدار المشية وقد اشتهر ان الاختياري ما كان للشخص بحيث ان شاء فعل وان شاء لم يفعل فمن شرب الخمر عامدا قال ما أراد باختياره وأدرك ما امّل بخلاف من اقدم على شرب ماء اعتقد بخمريّته فخاب امله ولم يدرك ما رامه لكن شرب الماء اختياري له لدورانه مدار مشيّته وعدم كون ما باختياره مطابقا لمرامه لا ينافي كونه باختياره وانما عدم الإصابة في المقام من قبيل عدم حصول الغاية للأفعال ومن المعلوم عدم مدخلية ترتّب الغاية في اختيارية الفعل وبالجملة فكما ان الشرب اختياري فكذلك كونه شرب ماء أو خمر والمناط في اختيارية العناوين انما هو اختيارية نفس الفعل لا كون المتعلق اختياريّا ولا معرفة المتعلق فان كون الفعل شرب ماء ليس ممّا يحتاج إلى القصد والتعيين كالاحسان والإساءة والصلاة والطهارة والتعظيم والإهانة ونحوها مما يتوقف تمحّض الفعل فيها على القصد وبالجملة فلا اشكال في ان الافعال التوليديّة انما يختلف باعتبار أمور خارجة عن الاختيار ابتداء ولا مجال للوسوسة في اختلافها بالاختيار فلو رمى شخصان بسهمين لقتل نفسين وأصاب أحدهما وأخطأ الآخر فلا اشكال في صدور القتل الاختياري عن أحدهما دون الآخر مع أن القتل فعل الآلة وكذا لو اشتركا في الالقاء في النار واحترق أحدهما دون الآخر مع أن الاحراق فعل النّار وذلك لان المقدور بالواسطة مقدور
--> ( 1 ) كعنوان الشرب المختلف باختلاف متعلقه الذي هو الخمر أو الماء